يوسف المرعشلي

396

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

وأعجب الوزير خير الدين بنشاطه وتعلقه ومؤازرته له في منهجه الإصلاحي ، فعهد إليه بتنظيم إدارة جمعية الأوقاف التي ابتكرها المصلحون ، يعينه موظف وعدلان يختارهم التجار وأصحاب الأراضي الموقوفة . وفي بضعة أشهر وبعد مجهودات خارقة توصل إلى تنظيم هذه المؤسسة وجعلها قوية ، وهذا مما أثر على صحته ، وأجبره مرضه العصبي على قطع عمله والذهاب إلى باريس لمداواة مرضه ، واغتنم هذه الفرصة لتدوين القسم الأول من تأليفه « صفوة الاعتبار » . وكان نحيف البنية ، مصابا بمرض في الأعصاب الموصلة بين المعدة والقلب مع فقر في الدم ، يستعمل المورفين لتسكين آلامه ، فأثر ذلك في صحته مع ما يقوم به من أعمال مرهقة . وفي مدة رئاسته لجمعية الأوقاف ، وقع نزاع بين الكونت دوسانسي المغامر الفرنسي الذي له علاقات قرابة مع كثير من وزراء فرنسا ، وقع نزاع بينه وبين الحكومة التونسية على قطعة أرض بسيدي ثابت منحها له الوزير خير الدين لتربية الخيل على شروط أخلّ بها ، فأرادت الحكومة التونسية استرجاعها منه فأبى ، وانقلب خصما لخير الدين . ومن الملاحظ أن خير الدين كان يجامل الفرنسيين . وكان قسم من الصحافة الفرنسية يشن الحملات ضده بتأثير من عملاء خزنه دار الموجودين في باريس ، وقد عين صاحب الترجمة عضوا في لجنة التحكيم التي شكلتها الحكومة التونسية للنظر في هذه القضية ، واستمر النزاع بين الطرفين إلى عهد الوزير مصطفى بن إسماعيل . كما عينه الوزير خير الدين سنة 1292 / 1874 ناظرا على المطبعة الرسمية ومشرفا على تحرير جريدة « الرائد » . وهذا النشاط أثر على صحته التي تدهورت ، فسافر إلى باريس للمعالجة . وفي سنة 1292 / 1875 سمي عضوا في لجنة برنامج التعليم للمدرسة الصادقية ، ولترغيب الأسر التونسية لإرسال أبنائهم إلى هذه المدرسة سجل فيها ابنه الأكبر مصطفى ، الذي أصبح فيما بعد رئيسا لمجلس الاستئناف بالقاهرة . كما أسند إليه إدارة تأسيس المكتبة الصادقية ( العبدلية ) الزيتونية المؤسسة حديثا . وفي سنة 1294 / 1877 عزم على التخلي عن وظائفه أسوة بأصدقائه جماعة الإصلاح الذين اضطروا لمغادرة مراكز السلطة ، على أن تدخل الباي ألزمه الاحتفاظ بوظائفه ، لكن المعرض العالمي المنعقد في باريس سنة 1878 هيأ له مبررا لمغادرة البلاد ، فزار باريس ولندرة ثم الجزائر ، وسمحت له هذه الرحلة بإثراء ملاحظة لإكمال تحرير الأجزاء الباقية من مؤلفه « صفوة الاعتبار » . وعندما رجع إلى تونس أصبح عضوا في اللجنة التي كلفت بتنظيم مستشفى العاصمة التونسية - الذي دشّنه الأمير محمد الصادق باي رسميا في 10 شباط 1894 وأصبح يعرف بالمستشفى الصادقيّ ، على غرار المؤسسات الصحية العصرية الأوروبية ، لكن الذين لا يروق لهم الإصلاح ولا تفكير الإصلاحيين كالقنصل الفرنسي روسطان ، فكان رد الفعل عنيفا والتهجم قاسيا ، وكان المترجم له على صلة ببعض أفراد من السفارة الإيطالية بتونس ممن ينشر الدعاية ضد السياسة الفرنسية ، وبلغت المعركة الدعائية بين السياسة الفرنسية والإيطالية حدا مضطرما ملتهبا ، ففرنسا تهيء الوسائل والحجج لتبرير الاحتلال ، وإيطاليا تشهر بمطامع فرنسا وتحاول حشد الرأي العام ضدها سواء في الداخل أو في الخارج ، وهي لم تكن بريئة في هذه الحملة ، وإنها هي تسعى جاهدة لتحل محل فرنسا وتحتل البلاد فيما بعد ، ولا ندري كيف غاب هذا عن ذهن المترجم له حتى اغترّ بالدعايات الإيطالية ، وسار في طريق يثير العواصف الهوجاء من النقد والتهجم والاتهام . وكان الوزير مصطفى بن إسماعيل خلف خير الدين في رئاسة الحكومة يضيق بآرائه الإصلاحية ، ثم إنه يرى أنه لا يصفو له الجو إلّا إذا أقصى جماعة الإصلاح عن مباشرة أية مهمة سامية في الحكومة ، والمترجم له لا يتحمل الضغط على حريته والسكوت على آرائه ، لذلك عزم على مبارحة تونس وقرر أن يطلب أولا من الباي الإذن في السفر لأداء فريضة الحج ، ولم يتحصّل على هذا الأذن إلّا بعد تداخلات